محمد فاروق النبهان

259

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ . وهنا تبرز الحكمة الربانية والتوجيه الإلهي ويتوجه الخطاب إلى « محمد » وإلى أصحابه وإلى كل المؤمنين ، لكي يعلموا جيدا أن وعد اللّه حق والخطاب لأم موسى وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ . ولكن المراد بهذا الخطاب كل مؤمن لكي يطمئن إلى وعد اللّه ، فلا يخاف ولا يحزن ، والعاقبة للمتقين ، وختم القرآن هذه الآية التعليمية والتوجيهية بقوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ . وتوقف المشهد الرابع . . انتهى بانتصار الحق ، عاد الوليد إلى أمه بعد عاصفة من الأحداث المتتابعة المثيرة ، المليئة بالمفاجئات والمواقف ، ويتحرك الأبطال في حركة منتظمة دقيقة وكأنهم دمى صغيرة في يد قادرة تحركهم . . في آيات معدودات وكلمات مختارات معبرات ، نعيش أحداثا جسيمة كبيرة مثيرة غامضة . . وعد اللّه هو المنطلق . . إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ . . وكل شيء بعد ذلك يتحرك لكي يتحقق وعد اللّه . . وما أروع هذا التصوير لعظمة الأمر الإلهي ولعظمة الكون وهو يتحرك في حركة دقيقة محكمة لتنفيذ أمر اللّه ، ولا يعلم أحد من شخصيات القصة أنه يتحرك بأمر اللّه ، ولما يراد له ، ويظن كل واحد أنه يتحرك بإرادته المطلقة فإذا هم يتحركون بإرادة اللّه ، فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً ، وبين الأحداث المتسارعة تبرز الحكمة من خلال كلمات موجزات معبرات إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ . وتهدأ الأنفاس بعد تسارع ، كانت تواكب الأحداث المثيرة بدهشة ورهبة وخوف ، وأسدلت الستارة على أم موسى وهي تحتضن طفلها بعد أن عاد إليها وقد قرّت عينها به ، وزال عنها الحزن واطمأنت بوعد اللّه ، وآل فرعون وهم فرحون مبتهجون في هذا الولد الذي طمعوا في أن يكون قرة عين لهم عسى أن ينفعهم أو يتخذونه ولدا . . وفجأة ترتفع الستارة من جديد على شاب قوي الساعد مفتول العضلات